وردة
ليكن قلبك كبيرا كسعة الكون نقياَ كنقاء الأبيض .. يضخ مع كل دقة ما يملئ الكون و يفيض به حبا و خيرا و امانا .. قلب وسع الله وسع العالم ....
.
.

دعاء و حب

 
 شدت الخطى مسرعة ..إلى موعدها مع الطبيب في تلك المشفى التي لا تحبها... كانت كلما مرت بجانبها سألت الله الشفاء لكل من فيها و أن يجنبها لكل من ليسوا فيها ..

 

لكنها شأن كل البشر احتاجت لصورة رنين مغناطيسي...كانت تعاني من ألم حاد في أحد مفاصلها فراجعت الطبيب لمرات عدة مع الكثير من التحاليل و الصورالشعاعية و في النهاية قال الصورة بالرنين هي من يقرر ..

 

همس في أذنها قبل مغادرتها المنزل:أتودين مرافقتي لك ؟؟ ابتسمت" أنت هنا في قلبي ترافقني في كل نبضة..اطمئن لن أغيب طويلاً" فهذه ليست المرة الأولى ..لطالما قامت بعدة كثيرة من تلك الأمور لوحدها..كانت تتألم بشدة لكنها لم تكن تظهر الكثير لئلا يحمل همها في قلبه ..يكفيهما تلك الهموم التي يحملانها معاً...

 

خرجت .. و خواطر كثيرة كانت تعتلج داخلها لم يوقفها سوى صوت سيارة الإسعاف  وهي تدخل مسرعة.. فقرأت ما تحفظه من سور قرآنية صغيرة ..و دخلت ..كانت الممرضة بانتظارها رافقتها إلى غرفة التصوير و طلبت منها أن تنزع كل ما تحمل من معدن فتجردت من نظارتها .. ساعتها.. خاتم زواجها .. و طلبت منها الاستلقاء على مكان قد يدعى سرير لكنه ضيق إلى حد ما يدخل ببطء شديد داخل اسطوانة الرنين{ سأتركك الآن ربما يتحمل التصوير قرابة ثلث ساعة و سيؤلمك قليلا جهاز التثبيت ..معليش .. ستسمعين صوت مطرقة ...إنها عملية التصوير} ...تركتها بابتسامة باهته و خرجت ...أحست أن قشعريرة غريبة مخيفة تسري في أوصالها كلها من قلبها إلى عقلها إلى جسدها ..أحست أن السقف قريب جدا من رأسها و المكان ضيق ..جدا ..و تجردت هي من كل شيء:
 
 ..من عيناها اللتين تريانها الدنيا و الكون بكل ألوانه الأبيض والأسود..بفرحه و حزنه بألمه و تعبه ..
 
تجردت من الوقت الذي يسابق كل شيء ..يسابق عمرها و عملها ..يسابق و لا أحد يقدر على مجاراته ..
 
تجردت من خاتمها الذي يربطها بمن تحب و تحتوي و تتفانى و تتجاوز لأجله بمن تضيع دونه و دون تلك العصافير الصغيرة التي تنتظرها في البيت كان آخر ما سمعته منهم"ماما لا تتأخري"
 
 تجردت فتذكرت ما يتوه عنها في كل يومها من صباحه لمسائه ..تذكرت ما يضيع عنها في تلك الزحمة ..تذكرت ما ستؤول إليه بإرادتها أو دونها ...أحست بالوقت يتوقف لم يسعفها شئ سوى دموعها ..مر أمامها قطار حياتها بكل محطاته بكل أفراحه وأحزانه مرت أمامها كل الصور التي أحبتها و كل الصور التي آلمتها و كل الصور التي ترسمها للمستقبل هكذا في ثوان معدودة ..مضى كل شئ و كأنه ثوان لم يبق سوى شيء واحد ...استولى على كامل تفكيرها ..لم تفكر سوى بالموت ..بحالها عند الموت بحالها في القبر ..ربما كانت قوية بمن حولها.. قوية حتى في ألمها.. لكنها الآن أشد المخلوقات ضعفاً أشدها خوفاً كانت شفتاها تتلعثم بكلمات :
اللهم ارزقنا حسن الختام ...اللهم أعنا على سكرات الموت ..اللهم أوسع علينا قبورنا ...اللهم العمل الصالح ..
تلك الدموع كانت حرارتها عالية جداً لم تستطع حتى مسحها ..كانت تختنق بشدة ...إلى أن غاب صوت المطرقة و عاد السرير للوراء رويداً رويدا ..و ُفتح الباب ..لم تنتظر نتيجة الصورة بل لملمت حاجاتها و غدت تسابق الريح إلى دنياها ...احتضنتهم بشدة حتى أنهم بكوا من شدة الاحتضان ...احتضنتهم جميعا أحست أنها غابت عنهم لسنين طويلة و غابت عن آخرتها لسنين أطول ....ربما كانت تبكي بين أيديهم ليس لمجرد عودتها بل لحاجة في نفسها ..لصلاة و دعاء.

 

نسيـت أن أخبركم ..الصورة جيدة و طبيب آخر قال ليس هنالك داع أصلا للصورة ..بعض الوقت و الراحة و سيزول الألم ..طبعاً تعرفون بلدنا و أطباءنا ...

 

المشكلة أننا ننسى أنفسنا و نغيب ..
                                نغيب بشدة ...
                                            و عند لحظة ما نعرف ..
              كم نحن بحاجة ...لدعاء و عمل  ...
عمل بحب...

 

(14) تعليقات

أضف تعليقا

اضيف في 25 يونيو, 2007 10:07 ص , من قبل waitingforhappy

رائعة أنت يا صديقتي ...

رائعة بقصتك الجميلة ... التي نقلتيها لنا بحروف رسمت تفاصيل الأحداث بصورة جميلة ... لتحفري في أذهاننا هذه العبرة

لحظات صغيرة ... توقض من غفلة كبيرة

جميعنا بحاجة إلى الدعاء و إلى الحب و إلى العمل ... و إلى محبة الله

دمتي بخير و بدعاء جميل مستجاب و حب صادق و عمل صالح ... تحياتي لك


اضيف في 25 يونيو, 2007 10:28 ص , من قبل mafhm
من سوريا

في لحظات الحرجه نتذكر مانسيناه
اللهم اجعلنا مما يتضرع اليك في نعمه
ولا تجعل تضرعنا اليك في يوم محنه او نقمه
عظه رائع
كوني بخير


اضيف في 25 يونيو, 2007 10:50 ص , من قبل wahatelhayran
من مصر

اختى وردة

قصتك رائعة ليس فى الفكرة ولكن فى قدرتك على توصيل المشاعر والاحاسيس وما يعتمل فى نفس البطلة للقارئ وكانك تغوصين فى اعماقها

اختى وردة دمتى فى حفظ اللة


ريم


اضيف في 25 يونيو, 2007 06:11 م , من قبل هارون
من سوريا

لا بد أن نفارق أجسامنا مرغمين ، مهما طال بنا العمر ، لذا لا بد أن نحرص على أن نفارقه الفينة بعد الفينة ، طائعين مختارين ، نخفف عنا غصص مفارقته عند الموت ، و نعوض عليه ما هو خير منه بعد .


اضيف في 25 يونيو, 2007 10:36 م , من قبل shahrazad30

لم اكن اتوقع ان الذاكرة هنا حيث لم اتوقع

كنتي تروين تجربتي ... ولكن عندي الصورة كانت اكثر قتامة فالنتيجة لم تكن طيبة ... النتيجة استدعت انغراس مشرط الجراح في خلايا روحي

ولازلت اعيش ذات الهواجس واستعيد مراحل الوجع وفترات المعافاة الطويلة الموجعة لذا فأنا اليوم نصف انسانة ونصف الم

لماذا فعلتي بي ذلك فأنا اعيش الذاكرة واتنفس التفاصيل

وقاك الله ومن تحبين شر الالم و وجع التذكر

شهرزاد


اضيف في 26 يونيو, 2007 06:56 م , من قبل حــوت فـلـسـطـيـن
من فلسطين

اختي العزيزه ورده

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

\
/
\

أختي ورده احيكي قلبك الجميل علي القصه الجميله ولكن كل ما يتقصنه بعض من الدعاء والرجوع الي الله وفي يوم لن يكون غير الله

أشكرا أختي علي الزياره الرئعه

ولكي تحيــــــــــاتي

أخوكي \\ أحمد \\ حــوت فـلـسـطـيـن


اضيف في 01 يوليو, 2007 03:00 م , من قبل kanadans

روعة في اختيار الكلمات واصلي عيوننا تنتظر المزيد
تحياتي


اضيف في 02 يوليو, 2007 12:52 ص , من قبل lailaz
من سوريا

وردة

قرأتك منذ يومين

لكن لم يتسنى لي التعليق الا الان.

وردة

بقصتك لم تلمسي جرحاً و لم تضعي يدك على

الجرح إطلاقاً

لكنك

ضفعتي وجهي صفعة نحتاجها كل فترة لنعي و

ننتبه لأنفسنا

و لمن حولنا, فأغلبنا على ما اعتقد في

لحظة الكبوة يخرج من نفسه

و يشاهدها من الخارج و يقول لنفسه :

يا اللــــــــــــــــه كم أنا غبي

كيف لم ؟ و كيف لم؟ و كيف لم؟

و نبقى نتسائل و نندب الى أن تنتهي

الكبوة و تزول الغمة فنعود لما كنا

عليه

بانتظار صفعة جديدة.

و من نعم الله علينا ان يهبنا نعمة

الاحساس و القدرة على التدارك

و لكن هل من متعظ للأبد؟؟؟؟؟

و أكثر ما يشعرني بالقشعريرة هو قوله

تعالى:

إن الإنسان خلق هلوعاً

إذا مسه الشر جزوعاً

وإذا مسه الخير منوعاً

شكرا لقلمك أو بالاصح

لكيبوردك!!!!!!!!!!



اضيف في 02 يوليو, 2007 02:16 ص , من قبل shosho187
من الكويت

رائعة يا وردة في طرحك المميز

مشكلة نعاني منها جميعا .. لا نتذكر حياتنا وأنفسنا وما قدمته يدانا إلا في وقت الشدة ..

سلمتِ

ورد الشام


اضيف في 04 يوليو, 2007 05:07 ص , من قبل souadsaleh
من المغرب

أختي الغالية وردة
السلام عليكم و رحمة الله

قصتك تروي خاصية بأنفسنا طبعا
فنحن لعن الله كل الشياطين أغلبنا لا يذكر الله إلا وقت الشدة
و ينساه وقت الرخاء
مع العلم أن الدعاء طبعا هو صلة الوصل بين الخالق و المخلوق

نتمنى بنا لطفا.......

أختي العزيز وردة جزاك الله ألف خير على سؤالك عني و انتظارك لعودتي

أختك سعاد البدري


اضيف في 05 يوليو, 2007 01:35 ص , من قبل قــمــة الــتــحــدي
من فلسطين

الاخت / ورده

السلام عليكم

\
/

شكرا ل علي جرحك الجميل التي تشعرين بها كلنا نحتج الي دعاء ولكن هل من ما جيب

لا اعتقد لم يعد يوجد بيننا شي يجمع شملنا

ولك خالص التحيات

قــمــة الــتــحــدي


اضيف في 08 يوليو, 2007 06:28 م , من قبل wrag
من سوريا

اوراق الورد..استاذي الحكيم حامل المسك..أختي ريم ..والاخ العزيز هارون ..و شهرزادي الحبيبة ..و اخي احمد ..elkassim و ليلاس الغالية و ورد الشام و حمدالله على السلامة اختي سعاد ..و قمة التحدي....
اشكر مروركم جميعا اخوتي في الله و اسال الله ان يجعلنا عبيد احسان و ليس عبيد امتحان ....
وردة


اضيف في 19 يوليو, 2007 11:28 ص , من قبل nasiralshabany
من Satellite Provider

انه الانسان
بسم الله الرحمن الرحبم
{وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }يونس
..........
{فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }الزمر
.....شكرا على هذا السرد الجميل والتعبير الذي يلزمنا بقراءة كل حرف
والزج الجميل والرائع للحب والوفاء ونكران الذات والدعاء واللجوء الى الله
..............
وفقك الله وسلمك من كل شر
///// الصقر الجريح///




اضيف في 19 يوليو, 2007 12:45 م , من قبل wrag
من سوريا

الصقر الجريح ..أخي ناصر ..مرورك عطر و جميل شكرا لك ..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.